
” همس الفراشات “
يتسلل الحب خفية وينشر عبيره فى الأوردة ، ولا تستطيع سوى أن ينحنى قلبك لذلك الشعور المتدفق بداخلك ، فذلك أقدم أنواع السحر
طوت سجادة الصلاة ،بعد أن فرغت منها ، فنهضت تستقيم بوقفتها ، وأتجهت صوب النافذة ،لتراقب تسلل خيوط النهار البيضاء من بين ستار الظلام الأسود ، رآت الفراشات يتطايرن حول النافذة ، مثلما أعتادت أن تراهم كل يوم منذ عودتها هى وأبيها إلى مصر ، بعد ترحال دام لسنوات طويلة
بألوان براقة وزاهية تحط الفراشات على الزهور التى تملأ حديقة المنزل ، ترفرف بأجنحتها فتنتشر الروائح العطرية ، كمن تحمل على أجنحتها عبير الزهور
تمنت منذ صغرها أن تكون إحدى تلك الفراشات ، فتروح ذهاباً ومجيئاّ ،وتتنقل من غصن لأخر
تبسمت على ذلك الحلم الذى راودها منذ كانت بالرابعة ،ومازالت تريده حتى بعد أن صارت بالثانية والعشرون من عمرها
رفعت يدها تمسد بها على موضع قلبها ،الذى علا صوت طنينه ،عندما جال بخاطرها صورته ، فربما أمنيتها بأن تصير فراشة ، لكى تحط على كتفه أو أحد كفيه ،ترى تفاصيل وجهه الوسيم عن قرب ، أخذت حيزاً أكبر من تفكيرها ، كأنها لا تملك حيلة غيرها
ولكن تذكرت الآن ،بأنها بعد بضع ساعات ستصير زوجته ، فلا حاجة لها بأن تتمنى ذلك ، فهو سيصبح أمامها بكامل هيئته الرجولية الأسرة ، التى ملكت عليها لبها منذ أن رأته من شهر تقريباً
طاف بمخيلتها ذلك اليوم ،الذى جاء به إلى منزل أبيها أول مرة ، فهو أتى بناء على رغبة والداها فى رؤية إبن صديق عمره الوحيد ، والذى توفى قبل أن يعود من الخارج ،بعد أن قضى سنوات طوال بأحد البلاد العربية
وكأنه ألقى عليها تعويذة سحرية ، جعلها لا تفكر فى أحد غيره ، عازفة عن كل شئ يبهج النفس ،لا تريد سواه هو
وكم كانت سعادتها تفوق العقل ،عندما ولج أبيها لغرفتها يخبرها بشأن زواجها منه ، فبتلك اللحظة كأن قلبها قفز لحلقها يسد عليها مجرى الهواء برئتيها ، فلم تفعل شئ سوى أنها ظلت تومئ برأسها بالموافقة ،غير قادرة على الكلام أو التنفس
طرقة خفيفة على باب غرفتها ،أخرجتها من عالمها الخيالى ، فأتجهت صوب الباب ،ففتحته وجدت والداها يطالعها بإبتسامة عريضة:
– صباح الخير يا حبيبة بابا
تقدمت من أبيها تقبله على وجنته بمحبة :
– صباح النور يا بابا
ربت والداها عليها بمحبة وحنان ، يطوق كتفيها بإحدى ذراعيه ،يلج لداخل غرفتها ، وهى تراه يحمل بيده علبة لا تعرف ما تحويها
فجلس أبيها يدعوها للجلوس بجانبه باسماً:
– تعالى يا تقى أقعدى جمبى يا حبيبتى
أطاعته تقى على الفور ،فهى تحب أبيها حباً جماً ،فهو من حرص على رعايتها وعنايتها منذ أن توفت والداتها وهى بالعاشرة ، حتى أنه لم يرغب بالزواج ثانية من أجلها ، لكى لا يأتى بزوجة تعانى تقى من أفعالها ، وليس هذا السبب الوحيد ، فهو كان عاشق لزوجته ،ولم يستطيع أن يرى أنثى أخرها يمكن أن تأخذ مكانها بقلبه أو حياته
فتح تلك العلبة التى يحملها معه يقربها منها قائلاً بإبتسامة حنين :
– خدى يا تقى طقم الدهب ده كان بتاع مامتك كنت محتفظ بيه ليوم زى ده علشان أشوفك لبساه يوم فرحك أنا برضه كنت شاريهولها يوم فرحنا
دمعت عين تقى وهى تتناوله من يد أبيها ، فتذكرت والداتها تلك المرأة الحنون التى شاء الله لها بأن تفارق الحياة بعد معاناة طويلة مع المرض
فتهدج صوتها بحنين:
– الله يرحمك يا ماما ويباركلى فيك يا بابا
مالت على رأس أبيها تقبله ،لتعاود وتقبل يده ،ممتنة بأن الله عوضها بأبيها الذى حرص على دلالها منذ الصغر
لاطف والداها وجنتها المكتنزة والمشربة بحمرة خفيفة قائلاً بصوت حانى:
– النهاردة سعادتى متتوصفش علشان حبيبة قلبى خلاص هتروح بيت جوزها عارفة لو كان أى حد تانى غير سفيان مكنتش هوافق أبدا أنك تسبينى وتتجوزى
ما أن أتى والداها على ذكر إسمه ، حتى تخضبت وجنتاها ،وزادت خفقات قلبها ، فأطرقت برأسها أرضاً ، فضحك أبيها بملأ فاهه ، فهو علم ما تشعر به إبنته ربما منذ المرة الأولى التى رأت بها سفيان
فأراد رفع الحرج الذى وقع على عاتقها ، فترك مكانه واقفاً يقول بجدية:
– هسيبك بقى علشان تشوفى هتعملى إيه علشان خلاص دا الفرح بليل ومش عايز أعطلك
خرج والداها من الغرفة ،فقفزت من مكانها ،تضم ذراعيها تدور حولها نفسها بسعادة وترقب ، فكم تتمنى إنتهاء ساعات النهار سريعاً ، ليحل المساء ويأتى زوجها المستقبلى ، ليأخذها معه إلى بيته لتصبح سيدة منزله ، تقضى ما تبقى لها من عمر فى كنفه وتحت رعايته ، تتمنى أن يمن الله عليها وتنجب أطفالاً منه
فما تمنته بمرور ساعات النهار ،صار حقيقة وهاهى تتأبط ذراع والداها بعدما حل المساء ، وتلألأت الأضواء بحديقة المنزل
فأبيها أبدى رغبته فى أن يقام حفل الزفاف بالمنزل ، لتذهب منه مباشرة لبيت زوجها
سمعت صوت خطوات تقترب منهما ، فهى تخفض وجهها من أسفل وشاحها الأبيض الرقيق ، ولكن يكفيها أن تشتم رائحة ذلك العطر الثمين ، لتعلم أن من أقترب ،لم يكن سوى المنشود من قلبها
كفها الرقيق غاص بكف يده العريض والدافئ ، بعدما تناول يدها التى ناوله إياها أبيها ، أنتظرت أن يزيح وشاحها عن وجهها لتراه بوضوح ، فتباطأت يداه فى فعل ذلك ، ولكن صار بالأخير وجهها مواجه لوجهه
عيناه غائمة كبحر تهدر أمواجه عالية ، على وشك حدوث طوفان سيغرق ما عداه ، سرت رجفة خفيفة بعمودها الفقرى ، وهى تتمعن بعيناه ، ولا تعلم لما صار هكذا ؟
فكفه الذى حلمت به يطوقها بحنان ،صار قابضاً على خصرها بأصابع فلاذية ،يعتصره بقسوة ،كأنها فعلت به شئ تجهله ، لم تكن رقصة هادئة كما تمنت ، ولكن أنفاسه المتصاعدة والتى تتململ على وجهها بغضب ، جعلها تحاول الخلاص من ساعديه المحيطين بها كأسوار الحديد
فدمدمت بصوت شابه بعض السخط على جفاءه بمعاملته لها :
– فى إيه ! سفيان إيدك وجعتنى
كأنه أستعاد رشده فجأة ، وعلم رعونة تصرفه معها ، فأسرع يبدى أسفه واعتذاره على ما بدر منه:
– أسف يا تقى أنا وجعتك مش قصدى بس جايز سرحت شوية
لم يخفف أعتذاره الواهى من قلقها الذى بدأ بالتكتل فى قلبها ، كفوران الدماء بعروقها ، فهى تشعر بوجود خطب ما به ، ولكن حاولت تهدئة ذاتها ، فربما هى تتوهم ذلك ، فربما توترها بدأ بالتأثير على تفكيرها
مضى ما تبقى من حفل الزفاف ،تراقبه وهو يضحك ويبتسم ويمازح أصدقاءه ، فعلمت أن ما شعرت به من بداية الحفل لم يكن سوى وهم
ظلت وقتاً طويلاً تحتضن أبيها ، فهى على وشك فراقه الآن ، أحتواها والداها بكل حنان العالم أجمع ، فتجمعت الدموع بعينيه ، وهو يرى صغيرته ستغادره
بسيارة سوداء كانت تجلس بجواره ،يقودها غير منتبه على تلك الجالسة وتراقبه من بين أهدابها الطويلة التى تظلل عينان بلون الفيروز
وصل سفيان لذلك المنزل الذى ستقطنه عروسه برفقته ، ترجل من السيارة ، فى إنتظارها أن توافيه ، ولكنها ظلت جالسة مكانها تنتظره أن يهب لمساعدتها بالخروج وخاصة وهى ترتدى ذلك الثوب الثقيل ، والذى عرقل حركتها عندما حاولت أن تترجل من السيارة
ولكنه لم يتزحزح من مكانه ، كأنه مستمتعاً برؤيتها وهى متعسرة بالخروج ، ولكنها أستطاعت الخروج بعد أن كانت على وشك أن تتلف الثوب الطويل ، فهى نقمت على نفسها بتلك اللحظة ، عندما فكرت بشراء ثوب كهذا
وقفت بجانب السيارة ،ترفع الثوب قليلاً عن الأرض ،ترمقه بغرابة من توالى أفعاله التى لم تلقى رضاها وخاصة اليوم ، الذى من المفترض أن يكون أسعد يوم أعترض حياتهما سوياً
رفع يده يشير لها بالتقدم قائلاً ببرود :
– أتفضلى يا عروسة نورتى البيت ولو أنه مش قد المقام
هل شعرت فى حديثه بسخرية أم ماذا ؟
جالت ببصرها على البناء الماثل أمامها ، والذى يشبه فى خشونته وصلابته ، ذلك الذى يقف عاقداً ذراعيه ، كأنه حارس أحد أبواب الجحيم ، منتظراً إياها أن تطأ المنزل بقدميها المرتجفتين بشعور مبهم
فتح الباب على مصراعيه ،يحدث صوت صرير قوى ، كأنه باب أحد بيوت الأشباح ، فهى لم ترى المنزل من قبل ، فهى لم تفكر بشئ من البداية ، سوى أنها تريد أن تكون زوجة سفيان وكفى !
رأت تقى إمرأة تهرول إليها تبتسم إبتسامة عريضة :
– ألف مبروك يا سى سفيان ألف مبروك يا ست العرايس أنا خدامتك أم السعد يا ست هانم
بادلتها تقى الإبتسام ، فربما فرحة تلك المرأة تخفف من وطأة ذلك الشعور بالخوف الذى تدفق لأوردتها منذ رؤية المنزل وأفعال زوجها تلك الليلة
– الله يبارك فيكى
قالتها تقى وهى تفرك يدها بثوبها ، فيديها متعرقتان للغاية ، لاتعرف أين تذهب أو ماذا تفعل ؟
انتشلها من خضم افكارها صوت زوجها القائل :
– روحى يلا أنتى نامى يا أم السعد وأنتى تعالى معايا يا تقى
بدون كلمة تبعته ،فصعدت الدرج خلفه حتى وصلا للطابق الثانى من المنزل ، فتح باب إحدى الغرف يدعوها للدخول ، فولجت تقى حتى وقفت بمنتصف الغرفة ، تفحصت محتوى الغرفة ، ففراشها نظيف ومرتب بها طابع كلاسيكى كالغالب على المنزل بأكمله
سمعت صوت خطوات زوجها تأتى من خلفها ، فظلت تبتلع ريقها تحاول ترطيب جوفها ، ولكنها رأته يتجاوزها حتى وقف أمام باب أخر بالغرفة
فتح سفيان الباب قائلاً بهدوء:
– الأوضة دى بتاعتك والأوضة التانية دى هتبقى بتاعتى هو فى باب فاصل بينهم ممكن أنتى تقفليه من عندك علشان تاخدى راحتك
فاتها ما يلمح إليه ، فهل ما ألتقطته أذنيها تفوه به حقاً ؟ ستقيم بغرفة وسيقيم هو بغرفة أخرى
أنفرجت شفتيها لتسأله عن مقصده من حديثه ، فوجدته يلج للغرفة الملحقة ،يغلف الباب الفاصل بينهما
جلست على الفراش وهى دامعة العينين تحدق بالباب الفاصل بين غرفتيهما ، فلما فعل ذلك ؟ أو لما تزوجها إذا كان لا يريدها زوجة ، فبالأمر شئ مبهم لا تفهمه هى ، ويجب أن تعلم ما يدور حولها وهى لا تعلم
خلعت ثوب الزفاف عنها ، وذهبت صوب خزانة الثياب ، التى تصدرت حائط بأكمله من حوائط الغرفة ، فتحتها تفتش عن شئ ترتديه ، فهى أرسلت ثيابها لهنا منذ يومين ، فأمتنت أن الخادمة وضعت كل شئ مرتب ، فسحبت أول ثوب وقع عليه بصرها ، فغضبها يعميها ولم تكتشف ما ترتديه إلا بعدما أنتهت وحدقت بصورتها المنعكسة بالمرآة ببلاهة ، من ذلك الثوب الأنيق الذى لا يليق سوى بفاتنة مثلها ، ولكن خجلت من أن تظهر أمامه بثوب كهذا ، فسحبت رداء طويل ترتديه لتوارى الثوب أسفله ، فشدت الرباط على خصرها ، وأندفعت تدق الباب بقبضتها التى يحركها غضبها المتفاقم مما يفعله ذلك الذى أصبح يسمى زوجها
بالدقات المتلاحقة والتى كأنها على وشك تحطيم الباب ، سارع سفيان بفتح الباب ، يخشى أن يكون حدث لها مكروه
– إيه يا تقى إيه الخبط ده كله حصلك حاجة فى إيه
نطق بها سفيان ، وهو يجيل ببصره على محياها الغاضب ، يسمع صوت أنفاسها كأنها صافرات إنذار تأتى من مكان بعيد
رمقته تقى بغيظ عظيم :
– أنا اللى المفروض أسألك فى إيه ومالك النهاردة وإيه الحكاية بالظبط عايزة أعرف.. هو مش المفروض أن النهاردة كان فرحنا
أنتظرت أن يجيبها ، ولكن صمته قد طال ، ففكرت أن ربما يخشى أن تكون هى تشعر بالخوف أو الوجل منه ، فتركها الليلة بمفردها على أن تسوى الأمور بينهما ، ويطيب لها المقام بمنزله ، قبل أن يسرع فى أخذ حقوقه منها كزوج
زفرت تقى براحة وهى تقنع ذاتها بتلك الخاطرة التى تشكلت بعقلها من صمته وعدم إبداءه لسبب مقنع لفعلته
فأرادت رفع الحرج عنه ، فربما بخطوة منها ،ستجعله يتيقن أنها لا تريد سوى أن تصبح جزءًا منه
فأقتربت منه ومالت برأسها على صدره مغمغمة:
– أنا بحبك يا سفيان
تتابعت أنفاسه الحانقة ، فقبض على كتفيها بكفيه القاسيين ، وأبعدها عنه يتفرس بوجهها وعيناه يتطاير منها الشرار من فرط حنقه
– وأنا مبحبكيش يا تقى ولا كنت عايز أتجوزك
صرخ بها سفيان فى وجه تلك المسكينة ، التى أرتجف جسدها بين يديه ، وملأت عيناها الدموع ، وظلت شفتيها ترتجف كمن تواجه عاصفة رعدية ،تلفحها بلا رحمة
سخط قلبه عليه من أنه يفعل بها ذلك ، وخاصة بهذا اليوم الذى تنتظره كل فتاة ، فلم يستمع لصوت قلبه المتوسل له بأن لا يكمل ما يريد قوله ، ولكن سبقه لسانه فى القول مستطرداً:
– أيوة يا تقى أنا مش بحبك وباباكى اللى عرض عليا اتجوزك وأنا علشان خاطره بس وافقت مش علشان حاجة تانية فأنا مقدرش أمثل أن أنا بحبك أو أن نعيش مع بعض زى أتنين متجوزين
تسمرت عيناها على وجهه ، كأنها أصبحت جسداً بلا روح ، أو أنه أنتزع أنفاسها بقسوة ، وجعل رئتيها خاويتين ، فلما فعل أبيها ذلك ؟
رؤية الدموع بعينيها ، جعل يود لو كان فقد النطق ،قبل أن يسمم أذنيها بما قاله ، ولكن هذا أفضل ،فكلما أسرعت فى كراهيته والابتعاد عنه ، كلما شعر بالراحة ، فهو لن يجعلها تحيا معه بهذا المنزل
– طلقنى يا سفيان
قالتها بصوت خالى من الحياة ، فماذا تنتظر بعد ما سمعته منه ؟
كلمة كنصل السيف البتار ، شطرت قلبه نصفين ، ولكنه علم أنها النهاية المحتومة لتلك الحكاية التى لن تكتمل للنهاية ، وكيف يحدث ذلك ؟ وهو من مهد الطريق لتفكيرها بالطلاق
تصنع الهدوء والجدية وهو يقول بلامبالاة :
– تمام هطلقك بس مش دلوقتى مش هينفع تصبحى على خير
عاد لغرفته ، وأغلق الباب بوجهها ، فأستند عليه ، يشعر بتمزق قلبه خاصة بعد سماعه صوت بكاءها وشهقاتها ، ولكن يجب أن لا تأخذه الشفقة أو الرحمة بما يفعله ، مثلما وضع لنفسه نهج سيسير عليه ، حتى يعيدها لمنزل أبيها ، وربما تصير زوجة لرجل أخر
رجل أخر !
هل لديه الشجاعة الكافية التى تجعله يراها تصبح ملك لرجل أخر غيره ، فربما بهذا اليوم سيورد قلبه موارد الهلاك
نوبة البكاء التى أغرقت عينيها ،لم تكن كافية لتجعلها تشعر بالراحة ، فبعد إسترسالها بالبكاء ، غفت بنومها الذى تخلله أحلام مزعجة ، جعلتها تهب جالسة بفراشها وهى تصرخ بملأ فاها
ضمت ساقيها بذراعيها ،ودفنت وجهها بينهما لتعاود البكاء ثانية ، سمعت صوت خطوات مهرولة تقترب من فراشها
فسمعت صوت سفيان قائلاً بقلق وخوف:
– تقى مالك فى إيه ،بتصرخى ليه كده، أنتى كل ده منمتيش
رفعت رأسها وجدته مقبلاً عليها حافى القدمين ، مشعث الشعر ، لم يكسوه سوى سروال قصير ، تلتمع بشرته على ضوء الإنارة الخافتة ،كأنه تمثال حجرى تم نحته حديثاً
جلس على حافة الفراش الذى أصدر صوت صرير منخفض ،من ثقل جسده عليه ، مد يده أسفل ذقنها يتفرس بوجهها ليرى إذا كان بها خطب ما ، كطبيب يتفحص أحد مرضاه
ولكن هى حقاً عليلة و مريضة بحبه الذى لم ترى ولن ترى منه شيئاً ، فأعياها إغراق زورق أحلامها ببحر اليأس والجفاء
شعر بسخونة وجنتيها وهو يتحسس وجهها ، كمن أصيبت بالحمى فجأة ، فهو تركها منذ ساعات قليلة ،وكانت بأتم صحتها ، فماذا أصابها ؟
أزدرد سفيان لعابه قائلاً بجدية وخوف:
– تقى أنا حاسس أن حرارتك عالية شوية ليه كده أنتى تعبانة
لم تجيبه على ما سألها إياه ، فتلك هى آفتها أن تمرض و تعلو حرارة جسدها إذا تعرضت لنوبة بكاء أو حزن شديد ، لذلك كان يحرص والداها على عدم إثارة حزنها
ولكن غضبها الذى طفا على سطح وجهها ، جعلها تنفض يده عنها بحدة وهى ترمقه بنقم على ما قاله لها :
– شيل ايدك دى عنى ، مش عيزاك تقربلى ، أنا عايزة أرجع بيت بابا تانى
تركت الفراش وأتجهت صوب خزانة ثيابها ، لترتدى ثوب ملائم ، ولتذهب من هذا المنزل ، الذى تمنت عدم خروجها منه إلا بعد أن تفارق الحياة ،وليس بعد بضع ساعات من مجيئها إليه
قبل أن تمتد يدها وتسحب الثوب ، كان يسبقها هو فى سحب مرفقها ليجعلها تستدير وتنظر إليه ، فحاول جاهداً أن يخرج صوته هادئاً:
– أظن تهدى كده وتسمعينى إن كان على أنك ترجعى بيت باباكى فهخليكى ترجعى بس مش يوم فرحك ، خليكى هنا كام يوم حتى تبينى لباباكى أن أنا مش كويس معاكى وأنك مش مرتاحة معايا ، خليه يعرف أن أختياره ليا غلط وأن أنا مش بالصورة اللى كان متخيلها ماشى أعتبرى نفسك ضيفتى الكام يوم دول ، وكويس أن مفيش حاجة بينا نندم عليها بعد ما نسيب بعض
هو لا يعى حجم خسارتها وحسرتها تلك الليلة ، يرى الأمور من منظوره هو فقط ، ولكنه لا يعلم تلك المعاناة التى سيظل قلبها يعانى من أثرها ربما لوقت طويل
يعلم قلبه أن حجته واهية ، بأن يصر على إقامتها هنا من أجل عدم إثارة الأقاويل بعودتها لبيت أبيها بيوم زفافها ، وهو لا يريد ذلك إلا من أجل أن ينعم برؤيته لها ببيته ، قبل أن تأتى سنينه الخاوية من وجودها
فلما أتته بذلك الوقت العصيب بحياته ، لما جاءت بوقت لا يريد به سوى أن يرمم ما أتلفه الزمن
ران الصمت عليهما ، وأصبح الجو بينهما مشحون بعواطف ، يخشى كل منهما أن يبوح بها ، فحتى إن كانت ثائرة وتريد ترك المنزل ، فهى لا تريد أن تنتهى تلك اللحظة التى ربما لن يحالفها الحظ ثانية بأن تعيشها
– خليكى هنا يا تقى علشان خاطرى
قالها سفيان بصوت هامس دافئ يشوبه توسل قلبه لها بالموافقة
كفه الذى مازال قابضاً على مرفقها ، بدأ باللين بعد قبضته القاسية ، وكفه الآخر تصاعدت أنامله لتزيل عبراتها التى مازال أثرها على وجنتيها كمجرى نهريين
أيستجديها بالبقاء ! فكلما طال مكوثها هنا ، سيجعل عليها من المستحيل رحيلها عنه ، ولكن كفة قلبها هى الراجحة ، فوجدت رأسها تتحرك دليل موافقتها على مطلبه ، فى حين أن عقلها وصفها بأنها سخيفة وغبية لترتضى بالبقاء هنا ، وتراه أمامها ، ومن المفترض لها أن تتعايش مع كونه أنه يراها ضيفة لديه لا زوجة
بعد إبداء موافقتها المبدئية بالبقاء ، زفر أنفاسه براحة ، كمن حصل على جائزة كان من العسير عليه الفوز بها ، مما جعلها تقطب حاحبيها بغرابة من تناقضه فكيف يخبرها بعدم حبه لها ، ويأتي الآن يتوسلها بالبقاء ؟ نعم .. فما شعرت به من نبرة صوته كان توسلاً لها ، كأنه مقيد بشئ يمنع عليه الإفصاح بسبب فعلته
زاد فضولها أكثر من أفعاله ، وبلحظة مجنونة وهى مغيبة العقل ،أرادت أن تعرف إذا كان سيقابل ما ستفعله بالغضب أو الترحيب
فألتفت ذراعها حول عنقه تباغته بعناقها له ، فربما أصابها هى التعجب أكثر منه لإقدامها على فعل شئ كهذا ، فكيف أتتها الجرأة لفعل ذلك ؟
أنتظرت دفعه لها بين الفنية والأخرى ، ولكن لشدة غرابتها وجدته يبادلها العناق ،ربما إذا لم يبتعد عنها كان سيزهق أنفاسها ، كمن يحمل بين جنبيه جوعاً وعطشاً للقاءها
كمن مُحيت من ذاكراتها كلماته القاسية التي قالها الليلة لها ، لا تتذكر سوى دفء ساعديه ، يقبض عليها كمن يتشبث بحلم ويخشى أن يفيق من نومه يجده ذهب أدراج الرياح
صدرت عنها غمغمة وهى تشعر بإنتشاء ، كمن تجرعت من كؤوس الهوى ، وأصابتها الثمالة لا تريد شئ سوى أن تنعم بتلك اللحظات :
– أنا بحبك بحبك أوى يا سفيان
كف عما كان يفعله ، كأنها عندما أتت على ذكر إسمه ، جعلت صافرات الإنذار يعلو صوتها بعقله ،الذى أراد له أن يكمل سباته ، وليجعله تلك الليلة ينسى عهده الذى قطعه على نفسه ، من أن لا يقربها ولا يجعلها زوجة له
أنتفض مبتعداً عنها ، كمن أصيب بلدغة قوية من عقرب سام ، فحاول جاهداً أن يلتقط أنفاسه التى سلبته إياها غُمرة إقترابه منها
ظل صدره يعلو ويهبط فخرج صوته متحشرجاً :
– تصبحى على خير يا تقى
قبل أن تنفرج شفتيها لتسأله عما يحيرها من أمره ، كان صوت إغلاق الباب الفاصل بينهما ،يجعلها تبتلع ما بجوفها من كلمات وغصة علقت به من تلك الدموع التى بدأت بالتجمع ثانية بمقلتيها وأحرقت جفنيها
فهى تيقنت من شئ واحد ، أنه لا ينفر منها بل ربما هناك شئ يمنعه من أن يكون لها الزوج الذى تتمناه ، فتقاذفتها أفكارها بين أنه ربما يحمل علة جسدية تمنعه من ذلك ، ولكن عادت ونفضت ذلك عن ذهنها ، فما رأته منه منذ دقائق جعلها تمحى هذا الأمر من عقلها ، فهى كانت قاب قوسين أو أدنى من أن تصير له زوجة ، هل يمتلك حبيبة أو معشوقة أخرى ؟ ولكن إذا كان الأمر كذلك ، كيف يعانقها بكل هذا الشوق والتوق كمن لم تمس أنثى قلبه قبلها ؟
ولكن ماهو ذلك الشئ المبهم الذى يحيط به ، فربما كثرة التفكير ستجعلها تفقد عقلها بالأخير ، فعزمت على أن تعلم ما يخفيه ، فهى علمت أن كلما زادت بدلالها كأنثى ، زاد أقترابها من هدم تلك الحصون التى شيدها بينه وبينها ، فهى ستعمل على تحطيم تلك الجدران ، لتعلم ما يخفيه
فإن كانت عازمة على الرحيل من قبل ، فهى الآن لن ترحل قبل أن تعرف ما تريد معرفته ، ولما يفعل ذلك بها وبنفسه
لم تكن تعلم أن تلك المهمة ستكون شاقة عليها ، وخاصة وهو يترك المنزل مع بداية خيوط النهار ، وربما يعود بعد أن يدركها النوم ، فهى حتى ليس لديها متسع من الوقت لتتحدث معه منذ ليلة زفافهما ، فيومها تقضيه بين غرفتها وحديقة المنزل ، أو ربما التندر والتفكه مع الخادمة
تعمل على مرور ساعات النهار بمشاهدة التلفاز ،أو قراءة القرآن وبعض الكتب والروايات ، أو مهاتفة أبيها للإطمئنان عليه متحاشية ذكر أى شئ يخص زواجها المدبر من قبله ، فهى كانت تتمنى رؤيته لسؤاله ، ولكنه ظن أن ربما العروسان يريدان الانفراد بعيداً عن الناس بأيامهما الأولى بالزواج
تحاول أن تجعل تلك الساعات الثقال تمر سريعاً ، ولكنها لن ترتضى بأن تقضى أيامها هنا هكذا كزوجة بالإسم فقط ، فبليلة أخذت قرارها بعدم النوم قبل أن يعود ، ظلت جالسة على الفراش تقضم أظافرها بعصبية ، فهو لم يعد بعد ، فهبت واقفة من مكانها تتجه صوب الباب الفاصل بينهما ، فتحت الباب ،وولجت بخطى ثابتة لغرفته ، تجيل ببصرها بكل أثاثها الذى لم يختلف عن أثاث غرفة نومها
ذلك المكتب الموضوع بأحد زوايا الغرفة ، كان أول ما جذب أنتابهها ، فأقتربت منه وجدت أوراق عمل كثيرة مبعثرة ، فلملمت هى تلك الأوراق لتعيد ترتيبها ، ولكن أثناء فعلها لذلك ، سقطت صورة من بين تلك الأوراق ، فأنحنت وألتقطتها من على الأرض
أتسعت حدقتيها عندما علمت من تكون صاحبة الصورة ، فلم تكن سوى صورة لها وهى بعمر الخامسة عشر ، ففكرت لما يحتفظ بصورتها ، وهل رأها بالسابق وهى لا تعرف ؟فهى لا تتذكر أنها رأته قبل ذلك اليوم الذى جاء به لمنزل أبيها بعد إستدعاءه له
قلبتها بين يديها ، فقرأت ما خطه على ظهر الصورة :
– حبيبتى وأجمل بنت شافتها عينيا
فغرت فاها بعدما أنتهت من قراءة عبارات الغزل التى خطها بيده على صورتها
فقبل أن تحاول طرح المزيد من الأسئلة على عقلها وجدته يلج الغرفة ، يبدو عليه ملامح الإرهاق ، كأنه لم ينتبه لوجودها ، فأخفت الصورة بين طيات ثيابها
فعقد سفيان حاجبيه قائلاً بغرابة:
– تقى أنتى بتعملى إيه هنا
أزدردت لعابها قائلة بصوت هامس:
– أفتكرت أنك رجعت من برا فجيت أشوفك علشان أنا تقريباً مبشوفكش فى البيت خالص وكمان فى موضوع عايزة أكلمك فيه
رمقها سفيان بإهتمام :
– خير موضوع إيه ده يا تقى
ستلقى أخر سهم بجعبتها ، ولتثير غضبه وليحدث ما يحدث ، لعله بذلك سيخرج ما بداخله ، وتتضح لها الحقيقة كاملة
فتصنعت عدم الاكتراث وهى تقول:
– كنت هقولك أن كده فات على جوازنا حوالى شهر وكنت عايزة أرجع بيت بابا ما أنا مش هفضل قاعدة هنا العمر كله أكلم نفسى ومش بشوفك حتى ، فلو كده نفض الجوازة دى وكل واحد يروح لحاله
خشيت أن تكون زادت بالأمر ، وتسمعه يلقى عليها يمين الطلاق ، فلو فعل ذلك ربما ستخر صريعة إذا فعلها ، فهى لا تقول ذلك إلا من أجل أن تسمعه أنه لن يتركها وإن كان أخر يوم بحياته
فجاءتها إجابته مخيبة لأمالها ، إذ سمعته يقول بهدوء:
– تمام يا تقى بس أدينى شوية وقت كمان وهنفذلك كل اللى أنتى عيزاه
أين ثورته عليها ؟ وأين دفاعه المستميت بالحفاظ عليها كزوجة ؟ فأكملت بقسوة لم تندم عليها:
– معنديش وقت علشان العدة لما تخلص أتجوز تانى ، كان فى شاب قبل ما أرجع مصر كان طلب يتجوزنى ،وأنا قولتله هفكر ، بس مكنتش أعرف أن هقابلك ونتجوز ، وهو ميعرفش أن أنا اتجوزت ، فلما نطلق هقوله أن موافقة أتجوزه وأسافر معاه وأسيب مصر تانى
يقف مشدوهاً يستمع لما تقوله ، فكيف تخبره أنها تريد الزواج من أخر ؟ هل أتتها الشجاعة لإخباره بهذا الشأن ؟
أطاح بسترته التى كان يحملها على ذراعه ، يقترب منها يقبض على رأسها بيديه القاسيتين ، يحدق بها بعينيه العاصفتين والمعبأتين بغيظ عظيم ، كأنه على وشك تحطيم عظام رأسها ، ولكنها أبت أن تظهر خوفاً أو خضوعاً بتلك اللحظة ، فهى يجب أن تكمل ما بدأته للنهاية
– إيه اللى أنت بتقوليه ده ، ومين هو الشاب اللى حضرتك عايزة تتجوزيه بعد ما أطلقك ها أنطقى
صرخ بجملته فى وجهها ، وشياطين العالم تتراقص أمام عينيه
رفعت يديها تحاول أن تبعد يديه عن رأسها التى بدأت تألمها من ضغط أصابعه عليها فهتفت به :
– أظن أنت سمعتنى كويس يا سفيان ، ثم مش ده إتفاقنا ،مش أنت قولتلى كده شوية وهتطلقنى ايه الفرق لو اطلقت دلوقتى ولا اطلقت بعدين ما النتيجة واحدةوطالما فى اللى يتمنالى الرضا وبيحبنى ، ايه المانع مش أحسن ما أكون محسوبة زوجة بالإسم وخلاص ومحبوسة هنا فى البيت ، متبقش أنانى يا سفيان
تهكم صوته قائلاً :
– أنانى ! أنا لو تعرفى أنا عملت ليه كده هتعرفى إذا كنت أنانى ولا لاء
تخلى عن صوته المتهكم ليحل محله صوته الغاضب وهو يكمل حديثه:
– ثم أنا سألتك سؤال جاوبينى مين ده كمان اللى عايز يتجوزك وتعرفيه من أمتى وبيتقولى أنه بيحبك وحضرتك إيه خلاص عايزة تخلصى منى علشانه ، مش قادرة تصبرى أكتر من كده ، طب ازاى كنتى بتقولى أنك بتحبينى
نفضت يده عنها ترمقه بألم طل من عينيها يترافق مع عبراتها الحارة ، فهتفت به مستاءة:
– وأنا كان فادنى بإيه الحب ده ، أنتى قولتلى أنك مش بتحبنى وكنت مغصوب تتجوزنى ، غير كده رامينى فى بيتك زى إزازة الخل قاعدة أكلم نفسى ، وعايز بعد ده كله أفضل أحبك يا سفيان ، أنت قتلت الحب وبإيدك أنت ، يبقى متلومنيش لو طلبت أن أنت تطلقنى وشوفلك زوجة تانية تستحمل أنها تكون زى الكرسى فى البيت وملهاش لازمة ، لأن مش أنا الزوجة دى ، أنا راحة أحضر شنطتى وهتصل على بابا ييجى ياخدنى
قبل أن تتجاوزه كان قابضاً على ذراعها ،يجذبها إليه حتى أصتطدمت بصدره ، رأت عيناه بها بريق متوحش ،جعلها تبتلع ريقها لعلها ترطب جوفها الذى صار أشد جفافاً من بئر نضبت ماءه وأحرقت لسعات الشمس الحارقة قطرات الماء المتبقية به
تراه كوحش مفترس أثارت حفيظته عن طريق الخطأ، فما كان منه سوى أنه أنزل بها عقاباً لم تكن بإنتظاره بذلك الوقت ، ألا وهو العناق ، فعناقه كافٍ للقضاء على كل العواطف التى تخصه بها ، فهى لاتريد منه مشاعر غاضبة ، ربما عندما يفيق مما يفعله سيشعر بالندم
حاولت الفكاك من بين ذراعيه ، التى كانت على وشك تحطيم عظامها ، تدفعه بكلتا يديها كأنها تقرع على حجر ، ولكن بلحظة واحدة تبدل كل شئ ، فالعناق الذى أراد معاقبتها به ، صار عناق حار متلهف من قلب أثقله كثرة كتمان ما يشعر به
فصدرت عنه غمغمة ملتاعة من قلب مشتاق :
– أنا بحبك يا تقى مش بس بحبك أنا بعشقك
زادت خفقات قلبها طرباً من سماع تصريحه لها ، فحاوطت وجهه وهى باسمة :
– أخيراً يا سفيان حرام عليك نشفت دمى كل الوقت ده علشان تقولى بحبك ما انا عارفة أنك بتحبنى بس عايزة أعرف ليه عملت كده فيا
قطب حاجبيه بحيرة قائلاً:
– وأنتى عرفتى منين أن أنا بحبك
أخرجت الصورة التى تحملها بين طيات ثيابها ، فلوحت بها أمام وجهه الذى ربما أمتقع وفقد لونه بعد رؤية الصورة بيدها ، وكشفها له ، فزاغ بعينيه عن مرمى وجهها ، إلا أنها أدارت وجهه لها قائلة بعتاب:
– قولى يا سفيان ليه عملت كده والصورة دى جبتها منين أنا من حقى أعرف
لم يجد مفر من إخبارها بأسباب أفعاله معها ، فأرتمى على الأريكة يزفر بإرهاق واضعاً رأسه بين يديه وبدأ إخبارها بكل ما تريد معرفته:
– أنا أعرفك يا تقى من ساعة ما اتولدتى وباباكى ووالدى كانوا متفقين إن لما نكبر نتجوز ، ولما سافرتى مع باباكى كان بيبعت صورك لبابا وانا كنت باخدها من وراه ، بقيت بحلم باليوم اللى ترجعى فيه مصر وكنت بدعى ربنا انك متحبيش حد غيرى ،لأن انا كنت بحبك ، جه والدى تعب ومات وأكتشفت ان بعد ما مات ان كان عليه ديون كتير حتى البيت اللى قاعدين فيه ده مرهون زيه زى المصنع وكل الأملاك بتاعتنا لأن والدى اخد قرض كبير بضمان كل حاجة بيملكها تقريباً ومات قبل ما يسدد ، وعلشان اسدد اقساط البنك محتاج وقت طويل ومحتاج أشتغل ليل ونهار علشان أقدر أدفع أقساط البنك ، وجه والدك وطلب منى اوفى بوعد والدى ليه واتجوزك ، بس مقدرتش اقوله ولا أقولك ، فكرت أن انا لازم أكرهك فيا علشان تمشى من البيت علشان مش هقدر أعيشك فى المستوى اللى باباكى كان معيشك فيه ، أو أخليكى تعانى معايا من الأزمة اللى أنا عايشها ومش عارف هتخلص أمتى ، حتى لو سددت القرض محتاج وقت طويل علشان اقدر أقف على رجليا تانى ، فالحياة معايا هتبقى معاناة يا تقى ومش عايزك تتعبى معايا ،أو ييجى وقت تزهقى زى ما زهقتى دلوقتى وحاسة ان أنا بهملك عن قصد
إستمعت لحديثه للنهاية ، فعلمت الآن حجم تلك المعاناة التي يعيشها بمفرده ، ويأبى إخبارها بما يمر به من عثرات ، جلست بجانبه ،وأزاحت يديه عن وجهه ، تقبض عليهما بكفيها الناعمين ، فظل كل منهما يرمق الآخر بصمت
فتبسمت هى برقة:
– لو كنت قولتلى من الأول يا سفيان كنت أتفهمت كل ده ، وكنت هفضل جمبك وهساعدك ، أنا كان يكفينى بس انك تقولى أنك بتحبنى وأنا كنت عمرى ما هفكر أسيبك حتى لما قولتلك الكلام ده من شوية كان اختبار علشان أعرف انت ليه بتعمل معايا ليه كده ، علشان كده عمرى ما هفكر أسيبك أو ابعد عنك خصوصاً لما عرفت انك انت كمان بتحبنى
صدق صوتها جعل عليه من المستحيل أن يفكر بإبعادها عنه ، فأغلق باب عقله المُلح عليه بأن يظل على معتقده للأخير ، ولكن كان من العسير عليه بأن يظل جامداً أو صامداً أمام تلك الأمنية التى ظلت تراوده منذ وقت طويل
بخطوة منه وأخرى منها ، ذاب العناد بأتون الشوق المستعر بقلبيهما ، فوجد كل منهما ضالته المنشودة بالآخر ، تعهدته بصمت بأنها ستكون له عوناً وسنداً ، سيجدها بلسم لتلك الجراح التى ستصيبه من ركضه بطريق الكفاح ، فإن أصابه الضعف بمنتصف دربه الوعر ، سيجدها تحمل له زاد العشق ، فكم يكفيه همسها بتلك الكلمة التى ما أن تتساقط على مسامعه ،حتى يولد بداخله الأمل والتفاؤل من أنه سيصل لمبتغاه فهمسها يشبه ” همس الفراشات “
تمت بحمد الله
بقلم : سماح نجيب
” سمسم “
أضف تعليق